الغزالي

51

إحياء علوم الدين

من الشعر ، فمن استقام في هذا العالم على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا ، ومن عدل عن الاستقامة في الدنيا ، وأثقل ظهره بالأوزار وعصى ، تعثّر في أول قدم من الصراط وتردى . فتفكر الآن فيما يحل من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته ، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته ، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها ، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك ، واضطراب قلبك ، وتزلزل قدمك ، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك عن المشي على بساط الأرض فضلا عن حدّة الصراط ، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدّته ، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثانية ، والخلائق بين يديك يزلون ويتعثرون ، وتتناولهم زبانية النار بالخط طيف والكلاليب ، وأنت تنظر إليهم كيف يتنكسون فتتسفل إلى جهة النار رؤسهم ، وتعلو أرجلهم ، فيا له من منظر ما أفظعه ، ومرتقى ما أصعبه ، ومجاز ما أضيقه فانظر إلى حالك وأنت تزحف عليه ، وتصعد إليه وأنت مثقل الظهر بأوزارك ، تلتفت يمينا وشمالا إلى الخلق وهم يتهافتون في النار ، والرسول عليه السلام يقول يا رب سلَّم سلم ، والزعقات بالويل والثبور قد ارتفعت إليك من قعر جهنم لكثرة من زل عن الصراط من الخلائق ، فكيف بك لو زلت قدمك ، ولم ينفعك ندمك فناديت بالويل والثبور ، وقلت هذا ما كنت أخافه ، فيا ليتني قدمت لحياتي ، يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ، يا ليتني كنت ترابا ، يا ليتني كنت نسيا منسيا ، يا ليت أمي لم تلدني . وعند ذلك تختطفك النيران والعياذ باللَّه ، وينادى المنادى اخسئوا فيها ولا تكلمون ، فلا يبقى سبيل إلا الصياح والأنين ، والتنفس والاستغاثة ، فكيف ترى الآن عقلك وهذه الأخطار بين يديك ، فإن كنت غير مؤمن بذلك فما أطول مقامك مع الكفار في دركات جهنم . وإن كنت به مؤمنا وعنه غافلا ، وبالاستعداد له متهاونا ، فما أعظم خسرانك وطغيانك . وما ذا ينفعك إيمانك إذا لم يبعثك على السعي في طلب رضا الله تعالى بطاعته وترك معاصيه ؟ فلو لم يكن بين يديك إلا هول الصراط ،